سيد محمد طنطاوي

256

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : إن ربك - أيها الرسول الكريم - من بعد هذه التوبة النصوح ، لكثير المغفرة والرحمة للتائبين . والتعبير - بثم - في قوله : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ . . . وقوله : * ( . . . ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) * لبيان الفرق الشاسع بين رحمة اللَّه - تعالى - بعباده ، وبين ما يصدر عن بعضهم من كفران وارتكاب للمعاصي ، وبين المصرين على فعل السوء ، وبين التائبين عنه . وكرر - سبحانه - * ( إِنَّ رَبَّكَ ) * مرتين في الآية الواحدة ، لتأكيد الوعد وإظهار كمال العناية بإنجازه . وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ، فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّه عَلَيْهِمْ ، وكانَ اللَّه عَلِيماً حَكِيماً « 1 » . ثم مدح - سبحانه - خليله إبراهيم مدحا عظيما ، وأنه بشره بالعطاء الذي يسعده في دنياه وآخرته ، وأمر نبيه محمدا صلى اللَّه عليه وسلم باتباع ملة أبيه إبراهيم ، فقال - تعالى - : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 120 إلى 124 ] إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّه حَنِيفاً ولَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 120 ) شاكِراً لأَنْعُمِه اجْتَباه وهَداه إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 121 ) وآتَيْناه فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وإِنَّه فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 122 ) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 123 ) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيه وإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيه يَخْتَلِفُونَ ( 124 ) فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد وصف خليله إبراهيم - عليه السلام - بجملة من الصفات الفاضلة . والمناقب الحميدة . وصفه أولا - بأنه * ( كانَ أُمَّةً ) * .

--> ( 1 ) سورة النساء الآية 17 .